فصل: ومن باب من اشترى مصراة وكرهها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب النجش:

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تناجشوا».
قال الشيخ النجش أن يرى الرجل السلعة تباع فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد بذلك ترغيب السُوام فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه غرور للراغب فيها وترك لنصيحته التي هي مأمور بها، ولم يختلفوا أن البيع لا يفسد عقده بالنجش، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن الناجش إذا فعل ذلك بإذن البائع فللمشتري فيه الخيار.

.ومن باب النهي عن بيع حاضر لباد:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حَدَّثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد فقلت ما يبيع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارًا».
قال الشيخ قوله: «لا يبيع حاضر لباد» كلمة تشتمل على البيع والشراء، يقال بعت الشيء بمعنى اشتريت، قال طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ** بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد

أي لم تشتر له متاعًا، يقال شريت الشيء بمعنى بعته والكلمتان من الأضداد قال ابن مفرْع الحميري:
وشريت بردًا ليتني ** من بعد بردٍ كنت هامه

يريد بعت بردًا وبردًا غلامه باعه فندم عليه، وفسر ابن سيرين قوله: «لا يبيع حاضر لباد» على المعنيين جميعًا، وقال هي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يشتري له شيئا، ولذلك قال لا يكون له سمسارًا لأن السمسار يبيع ويشتري للناس. ومعنى هذا النهي أن يتربص له سلعته لا أن يبيعه بسعر اليوم، وذلك أن البدوي إذا جلب سلعة إلى السوق وهو غريب غير مقيم باعها بسعر يومه فينال الناس فيها رفقا ومنفعة، فإذا جاءه الحضري فقال له أنا أتربص لك وأبيعها، وحرم الناس ذلك النفع فاتهم ذلك الرفق؛ وقد قيل إن ذلك إنما يحرم عليه إذا كان في بلد ضيق الرقعة إذا باع الجالب متاعه اتسع أهلها وارتفقوا به. فإذا لم يبعه تبين به أثر الضيق عليهم وخيف منه غلاء السعر فيهم، فأما إذا كان البلد واسعا لا يتضرر به الناس ولا يتبين بذلك عليهم أثره فلا بأس به والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي، قال: حَدَّثنا زهير، قال: حَدَّثنا أبو الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبيع حاضر لباد وذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
قال الشيخ في هذا دليل على أن عقد البيع لا يفسد إذا فعل ذلك ولو كان يقع فاسدًا لم يكن فيه منع من أن يرتفق الناس ومن تزق بعضهم من بعضهم.
وقد كره بيع الحاضر للبادي أكثر أهل العلم وكان مجاهد يقول لا بأس به في هذا الزمان، وإنما كان النهي وقع عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان الحسن البصري يقول لا تبع للبدوي ولا تشتر له، وذهب بعضهم إلى أن النهي فيه بمعنى الإرشاد دون الإيجاب والله أعلم.

.ومن باب من اشترى مصراة وكرهها:

قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من بر».
قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن أيوب عن محمد بن سيرين، عَن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء ردها وصاعًا من طعام لا سمراء».
قال الشيخ اختلف أهل العلم واللغة في تفسير المصراة ومن أين أخذت واشتقت، فقال الشافعي التصرية أن تربط أخلاف الناقة والشاة وتترك من الحلب اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيرا ويزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها وهذا غرر للمشتري.
وقال أبو عبيد المصراة الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صرى اللبن في ضرعها، يَعني حقن فيه وجمع أيامًا فلم يحلب، وأصل التصرية حبس الماء وجمعه يقال منه صريت الماء، ويقال إنما سميت الصراة كأنها مياه اجتمعت.
قال أبو عبيد ولو كان من الربط لكان مصرورة أو مصررة، قال الشيخ كأنه يريد به ردًا على الشافعي، قال الشيخ قول أبي عبيد حسن وقول الشافعي صحيح والعرب تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلتها تسرح ويسمون ذلك الرباط صرارًا فإذا راحت حلت تلك الأصرة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها فإنه خاتم أهلها عليها»، ومن هذا قول عنترة:
العبد لا يحسن الكر ** إنما يحسن الحلب والصر

وقال مالك بن نويرة وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فمنعهم من ذلك ورد على رجل منهم صدقته، وقال أنا جنة لكم مما تكرهون وقال:
وقلت خذوها هذه صدقاتكم ** مصررة أخلافها لم تجدَّدِ

سأجعل نفسي دون ما تجدونه ** وأرهنكم يومًا بما قلته يدي

قال الشيخ وقد يحتمل أن يكون المصراة، أصله المصرورة أبدل إحدى الراءين ياءً كقولهم تقضي البازي وأصله تقضض كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها؛ قال العجاج:
تقضي البازي إذا البازي كسر

ومن هذا الباب قول الله تعالى: {وقد خاب من دساها} [الشمس: 10] أي أهملها بمنع الخير وأصله من دستها، ومثل هذا في الكلام كثير.
وقد اختلف الناس في حكم المصراة فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يردها ويرد معها صاعا من تمر قولا بظاهر الحديث، وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف برد قيمة اللبن، وقال أبو حنيفة إذا حلب الشاة فليس له أن يردها ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها.
واحتج من ذهب إلى هذا القول بأنه خبر مخالف للأصول لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار واحد واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان».
قال الشيخ والأصل أن الحديث إذا ثبت عن رسول الله وجب القول به وصار أصلًا في نفسه وعلينا قبول الشريعة المبهمة كما علينا قبول الشريعة المفسرة والأصول إنما صارت أصولًا لمجيء الشريعة بها. وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد أشهرها هذا الطريق، فالقول فيه واجب وليس تركه لسائر الأصول بأولى من تركها له على أن تقويم المتلف بغير النقد موجود في بعض الأصول منها الدية في النفس مائة من الإبل، ومنها الغرة في الجنين. وقد جاء أيضًا تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة كأرش الموضحة فإنها ربما أخذت أكثر من مساحة الرأس فيكون فيها خمس من الإبل وربما كانت قدر الأنملة فيجب الخمس من الإبل سواء.
وكذلك الدية في الأصابع سواء على اختلاف مقادير جمالها ومنفعتها. وجاءت السنة بالتسوية بين دية اللسان والعينين واليدين والرجلين. وأوجب أصحاب الرأي في الحاجبين وأهداب العينين وفي اللحية الدية الكاملة وأين منافع الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم على من وجبت عليه في إبله ابنة مخاض وليس عنده إلاّ ابنة لبون أن يعطي المصدق شاتين أو عشرين درهمًا جبرانًا لنقصان ما بين السنين، ومعلوم أن ذلك قد يتفاوت ولا يتعدل في التقويم بكل مكان وكل زمان. وقد جعلوا أيضًا الحد في المهر عشرة دراهم على تسوية فيه بين الشريفة والوضيعة، وفي رد الآبق أربعين درهما ولم يفرقوا بين من رده من مسافة ثلاثة أيام وبين من رده من مسافة شهر، وليس في شيء من هذا سنة ولا خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يجوز رد السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن بينها وبين بعض السنن مخالفة في بعض أحكامها وقد قالوا بخبر الوضوء بالنبيذ وبخبر القهقهة ونقضها الطهارة في الصلاة مع مخالفتها الأصول وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث.
ثم أن تقويم المتلفات على ضربين أحدهما أن تقوم قيمة تعديل، والآخر أن تقوم قيمة توقيف؛ فقيمة التعديل ترتفع وتنخفض على قدر ارتفاع الشيء وانخفاضه وقيمة التوقيف هو ما جعل بإزاء الشيء الذي لا يكاد يضبط بمقدار معلوم واللبن غير معلوم المقدار، وقد يقل مرة ويكثر أخرى ويختلط باللبن الذي يحدث في ملك المشتري ولا يتميز منه. وإذا صار مجهولًا لا يضبط وكان لا يؤمن وقوع التنازع فيه بين البائع والمشتري وردت الشريعة فيه بتوقيف معلوم يفصل فيه بين المتبايعين ويكفيهما مؤنة الاجتهاد ويقطع به مادة النزاع كما وردت في الجنين إذ كانت بمنزلة المصراة في معنى الجهالة، وأما خبر الخراج بالضمان فمخرجه مخرج العموم، وخبر المصراة إنما جاء خاصا في حكم بعينه، والخاص يقضي على العام ولو جاء الخبران معًا مقترنين في الذكر لصح الترتيب فيهما ولاستقام الكلام ولم يتناقض عند تركيب أحدهما على الآخر، فكذلك إذا جاءا منفصلين غير مقترنين لأن مصدرهما عن قول من تجب طاعته ولا تجوز مخالفته.
قال الشيخ وقد أخذ كل واحد من أبي حنيفة ومالك بطرف من الحديث وترك الطرف الآخر، فقال أبو حنيفة لا خيار أكثر من ثلاث، واحتج بهذا الحديث ولم يقل برد الصاع، وقال مالك برد الصاع ولم يأخذ بالتوقيف في خيار الثلاث وصار إلى أن يرد متى وقف على العيب كان ذلك قبل الثلاث أو بعدها فكان أصح المذاهب قول من استعمل الحديث على وجهه وقال بجملة ما فيه.
وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع شاة لبون بلبن ولا بشاة لبون، وذلك لأنه قد جعل للبن المصراة قسطًا من الثمن إذ كان كالشيء المودع في الشاة المقدور على استخراجه فإذا باع لبونًا بلبون فقد باع لبنًا بلبن غير متساويين، فأما بيع سمسم بسمسم فجائز، وإن كان العلم قد يحيط بأن في كل واحد منهما دهنًا، إلا أنه غير مقدور على استخراجه كما كان مقدورًا على استخراج اللبن مع بقاء العين بهيئته فصار تبعًا للمبيع.
قال الشيخ ويدخل في هذا كل مصراة من الإبل والغنم والبقر والآدميات فلو اشترى رجل جارية ذات لبن لترضع ولده فوجدها مصراة كان هذا حكمها سواء لا فرق بينها وبين غيرها من الحيوان في هذا المعنى.
وقد اختلف الناس في مدة الخيار المشروط في البيع، فقال أبو حنيفة لا يجوز أكثر من ثلاث وهو قول الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد قليله وكثيره جائز، وقال مالك هو على قدر الحاجة إليه فخيار الثوب يوم ويومان وفي الحيوان أسبوع ونحوه وفي الدور شهر وشهران وفي الضيعة سنة ونحوها. وفي قوله لا سمراء دليل على أنه لا يلزمه أن يعطيه غير التمر، وذهب بعضهم إلى أن كل إنسان يعطي من قوته فمن كان قوته التمر أعطى صاعا من تمر، ومن كان قوته الشعير أعطى صاعا من شعير، ومن كان قوته السمراء وهي الحنطة أعطى صاعا منها، وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ إلاّ أن أبا داود وقد روي في هذا الحديث من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا» وليس إسناده بذاك.
والمحفلة أي المصراة، وسميت محفلة لحصول اللبن واجتماعه في ضرعها.

.ومن باب النهي عن الحكرة:

قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، قال: حَدَّثنا خالد عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن المسيب عن معمر بن أبي معمر أحد بني عدي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ» فقلت لسعيد فإنك تحتكر قال ومعمر كان يحتكر.
قال الشيخ قوله ومعمر كان يحتكر يدل على أن المحظور فيه نوع دون نوع ولا يجوز على سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ثم يخالفه كفاحًا وهو على الصحابي أقل جوازًا وأبعد إمكانًا.
وقد اختلف الناس في الاحتكار فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، وقال مالك يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء أضر بالسوق، إلاّ أنه قال ليست الفواكه من الحكرة.
وقال أحمد بن حنبل ليس الاحتكار إلاّ في الطعام خاصة لأنه قوت الناس وقال إنما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين بغداد والبصرة وقال إن السفن تخترقها، وقال أحمد إذا دخل الطعام من ضيعته فحبسه فليس بحكرة، وقال الحسن والأوزاعي من جلب طعاما من بلد إلى بلد فحبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر وإنما المحتكر من اعترض سوق المسلمين.
وقال الشيخ واحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل هذا الوجه الذي ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإنما هذا الحديث جاء باللفظ العام والمراد منه معنى خاص، وقد روي عن ابن المسيب أنه كان يحتكر الزيت.